يظل الحفاظ على الأمن والسلامة الرقمية من بين التحديات التي تواجه المجتمع الحديث في ظل التطور المستمر للتكنولوجيا، ومع تزايد الجرائم الإلكترونية والانتهاكات القانونية المرتبطة بالمحتوى الرقمي، تأتي المبادرات الرامية لمكافحتها على رأس الأجندة الوطنية.
في هذا السياق، أطلقت المديرية العامة للأمن الوطني، ابتداءً من الأسبوع الماضي من شهر يونيو، منصة « إبلاغ » الرقمية، التي يمكن الولوج إليها من داخل المغرب وخارجه، لتيسير عملية إبلاغ المواطنين عن المحتويات الجرمية والعنيفة، بشكل فوري وآمن، في إطار جهود الدولة الرامية للحد من الجريمة الإلكترونية وضمان تطبيق القانون في الفضاء الرقمي، مواكبةً للتطورات التكنولوجية.
وأفاد بلاغ للمديرية العامة للأمن الوطني بأن منظومة «إبلاغ» هي عبارة عن منصة رقمية تفاعلية، تسمح لمستخدمي شبكة الإنترنيت ورواد مواقع التواصل الاجتماعي بالتبليغ الفوري والآمن عن كل المحتويات الرقمية الجرمية والعنيفة، أو تلك التي تتضمن تحريضا على المساس بسلامة الأفراد والجماعات، أو تنطوي على إشادة بالإرهاب والتحريض عليه، أو تمس بحقوق وحريات الأطفال القاصرين وغيرهم.
وأوضح المستشار القانوني والباحث في العلوم القانونية، ياسين كحلي، في تصريح لمنارة، أنه من الضروري التمييز أولا بين « الجريمة الإلكترونية » و »التبليغ الإلكتروني »، باعتبار أن الأولى جريمة تستخدم فيها الدعامة الإلكترونية لإقرار الركن المادي، فيما يعتمد التبليغ الإلكتروني على التوثيق، سواء بالصور الثابتة أو المتحركة، وبالتالي فقد تم إحداث منصة « إبلاغ » سعيا لتعزيز وسائل التبليغ الإلكتروني، في سياقات اجتماعية واقتصادية وثقافية متقاطعة، يتقدمها ضعف الثقافة القانونية وتطور الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى البطالة، التي تولد لدى بعض الفئات شعورا بالفراغ وبالتالي البحث عن الجرائم والخروقات القانونية.
واعتبر كحلي، أن منصة « إبلاغ » للتبليغ عن المحتوى الرقمي غير المشروع، شبيهة إلى حد ما بمنصة النيابة العامة للتبليغ عن الرشوة، رغم أن لكل منهما خصوصيتها.
وأشار ذات المصدر، أن ما يحسب للمنصة هو سعيها إلى تقريب الإدارات القضائية والقانونية من المواطن، وإشراك الأخير في مهمة التبليغ، وجعله طرفا أساسيا في حفظ الأمن، خاصة مع إتاحتها إمكانية عدم التصريح بأي معطيات شخصية.
ومن جهته، أكد محمد بومديان، أستاذ محاضر بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمكناس، أن إحداث المنصة تزامن مع سياق يشهد انتشارا كبيرا للمحتويات غير المشروعة على منصات التواصل الاجتماعي، خاصة منصة « تيك توك ».
وأضاف بومديان، في تصريح له، أن منصات التواصل الاجتماعي، فضاء لحرية الرأي والتعبير المكفولة دستوريا، إلا أن المغرب دولة إسلامية، ولا بد من مراعاة خصوصية مجتمعها قبل نشر أي محتوى.
وتابع المصدر « القانون المغربي واضح فيما يتعلق بحرية الرأي والتعبير، فهذه الحرية لا تعني أبدا التحريض على العنف، أو الإشادة بالإرهاب، أو المساس بالحياة الخاصة أو المساس بحقوق وحريات المرأة أو الأطفال والقاصرين.. خاصة وأن بعض محتويات المنصات الرقمية أصبحت تُطبّع مع العنف الرقمي ضد المرأة ».
وأوضح المتحدث أن هذه المنصة تعكس مرتكزا مهما، هو الإنتاج المشترك للأمن، الذي يجعل المواطن، عبر تبليغه عن الخروقات الرقمية المسجلة والمخاطر المحتملة في المنصات، شريكا في توطيد مفهوم الأمن في المجتمع.
وخلص بومديان إلى أن إحداث منصة « إبلاغ » مكسب مهم لحماية المجتمع وضمان الأمن، غير أن السؤال المطروح هو مدى قدرة المواطن المغربي على استخدام المنصة للتبليغ عن المحتويات الرقمية غير القانونية، فلا بد أولا، حسب المتحدث، من التعريف بالمنصة وطريقة استعمالها على نطاق واسع، خاصة وأن فئة كبيرة من المجتمع المغربي لم تتشبع بعد بثقافة الرقمنة للتبليغ عن هذه الانتهاكات بنجاعة، ليصبح شريكا فعليا في تحقيق الأمن وتجسيد مفهوم « التشاركية ».
