الصويرة، مدينة الرياح التي طالما تغنت بها الأجيال كجوهرة الأطلسي ومرفأ للتنوع الثقافي والحضاري، تجد نفسها اليوم أمام امتحان عسير اسمه زحف الرمال. هذه الظاهرة التي قد تبدو طبيعية للوهلة الأولى، تحولت إلى خطر يهدد الإنسان والمكان، ويزحف بصمت ليقوض أسس مدينة عريقة صمدت لقرون أمام الرياح والعواصف.

لم يعد المشهد مقتصرا على تكدس الرمال في الساحات والشوارع؛ بل أصبح المشهد اليوم أكثر قتامة، حيث تغزو الرمال مداخل المدارس والمستشفيات، وتسد أبواب الدكاكين والفنادق و دور الضيافة ، وتخنق أنفاس الأزقة الضيقة. إنها ليست مجرد ذرات من الغبار، بل إنذار متكرر يضع حاضر الصويرة ومستقبلها على المحك. كيف لمدينة صنفتها اليونسكو تراثا إنسانيا أن تترك لمصير يهدد طمس معالمها وتاريخها وروحها؟
الخطر هنا ليس جماليا ولا بيئيا فقط، بل هو خطر يمس صميم الحياة اليومية للساكنة. إنه تهديد للحركية الاقتصادية، عائق أمام السياحة، ومصدر محتمل لأضرار صحية وبيئية طويلة المدى. وإذا لم تُواجه الظاهرة بإرادة جماعية، فإنها قد تحول المدينة من فضاء للانفتاح والإبداع إلى فضاء للانكماش والركود.
من هذا المنطلق، برزت مبادرة مشروع العريضة المواطنة كصرخة جماعية تحمل صوت السكان والمجتمع المدني، وتضع السلطات المحلية والجهوية والوطنية أمام مسؤوليتها التاريخية. العريضة لا تكتفي بالتنديد، بل تطرح حلولا واقعية: بناء حواجز طبيعية، تثبيت الكثبان الرملية، الصيانة الدورية للفضاءات المهددة، وتوظيف تقنيات مبتكرة للحد من الزحف. وهي في الآن ذاته دعوة لإشراك الجمعيات، الفنانين، الباحثين، والتعاونيات في بلورة خطة جماعية تنبني على الشفافية والمحاسبة.
الصويرة لا تحتاج إلى خطابات مطمئنة بقدر ما تحتاج إلى فعل عاجل، إلى ميزانيات واضحة، وإلى إرادة سياسية تُترجم على الأرض. فالمعركة ضد الرمال ليست معركة بيئية فقط، بل معركة من أجل الهوية، من أجل الذاكرة، ومن أجل مستقبل أجيال قادمة تستحق أن تعيش في مدينة مصونة من غبار الإهمال.
اليوم، الصويرة تنادي بصوت مرتفع: أنقذوني قبل أن يطمرني الرمل. إنها ليست مجرد مدينة، بل رمز للحياة والذاكرة والتراث الإنساني. فهل يستجيب صانعو القرار لهذا النداء، أم سيتركون جوهرة الأطلسي تُدفن تحت رمال الصمت والتقصير؟
